أحمد بن يحيى العمري
494
مسالك الأبصار في ممالك الأمصار
ثم ملك الإسكندر فزاد في بنائها ، وأطال في منارتها [ 1 ] وجعل فيها مرآة كان يرى منها مراكب العدو عن بعد ، فإذا صارت بإزائها ، وصدمها شعاعها أحرقها كما تحرق المهاة في الشمس ما قابلها من الخرق ، وإن لم تتصل بها ، فسميت الإسكندرية من حينئذ ، وكان اسمها قبل ذلك وقوده ، وبذلك يعرفها القبط في كتبهم القديمة . وأقامت المرآة على ذلك زمانا ، وشق ذلك على الروم ، فاحتال حكيم من حكمائهم بأن وافق متملكهم على أن يبعث أموالا مع أصحاب له ، فيدفنونها في مواضع متفرقة ( المخطوط 246 ) من ثغور الإسلام ، ثم عادوا بعد دفنها فصنع كتاب مطالب ذكر فيه المواضع وختمه بأن تحت المرآة التي في منارة الإسكندرية كنزا لا يحصى ما فيه من الأموال ، وعتق ذلك الكتاب ، ودفعه إلى إنسان ذكي ، وأمر أن يسير به إلى بلد بلد ، وأن يكون قصده إلى السلطان ، كل بلد فيعرفه ما في ذلك البلد ، ويخرجه ، ويأخذ منه جزءا [ 2 ] يسيرا واتصلت الأخبار إلى سائر الثغور بذلك ، فكان سلطان كل بلد ينفذ إليه من يتسلمه بعد أن يحضر أخراجه الكنز في البلد الذي هو فيه ، فلم يزل إلى أن وصل إلى الإسكندرية ، فقال لملكها ما قال في المرآة ، وقال له : إذا قلعتها وأخذت الكنز أنا أردها إلى أفضل ما هي عليه الآن ، فأجابه ، وقلعت المرآة وشرع في هدم ما تحتها وانسل الإنسان ونزل ونزل تلك الأموال التي أخذها من الكنوز المتقدمة ليطمسوا ولا يجدوا في طلبه ، وفاتهم ، وحفروا فلم يجدوا شيئا ، فعلموا أن ذلك كله كان حيلة على قلع المرآة ، ولم يقدروا على ردها لأن واضعيها كانوا حكماء قد نصبوها بطالع مختار ، واختلف الناس في هذا القول فمنهم من ذكره ، ومنهم من ذكر غيره .